أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

119

العقد الفريد

وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الزّهد في الدنيا مفتاح الرّغبة في الآخرة ، والرغبة في الدنيا مفتاح الزهد في الآخرة » . قالوا : مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له امرأتان ضرّتان ، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من جعل الدنيا أكبر همّه نزع اللّه خوف الأخرى من قلبه ، وجعل الفقر بين عينيه ، وشغله فيما عليه لا له » . وقال ابن السماك : الزاهد الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح ، وإن أصابته الدنيا لم يحزن ، يضحك في الملا « 1 » ، ويبكي في الخلا . وقال الفضيل : أصل الزهد في الدنيا الرضا عن اللّه تعالى . صفة الدنيا قال رجل لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : يا أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا . قال : ما أصف من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن . قيل لأرسطاطاليس : صف لنا الدنيا . فقال : ما أصف من دار أولها فوت ، وآخرها موت . وقيل لحكيم : صف لنا الدنيا . قال : أمر بين يديك ، وأجل مطل عليك ، وشيطان فتان ، وأماني جرّارة العنان « 2 » ، تدعوك فتستجيب ؛ وترجوها فتخيب . وقيل لعامر بن عبد القيس : صف لنا الدنيا . قال : الدنيا والدة للموت ، ناقضة للمبرم « 3 » ، مرتجعة العطية وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري .

--> ( 1 ) الملا : أي الملأ ، وهم الجماعة . ( 2 ) جرّارة العنان : كناية عن عزوبتها بحيث تشدّ إليها الناس . ( 3 ) الميرم : المتفق عليه والمتعاهد .